أحمد زكي صفوت
128
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
« يا معشر النّمر : إن لكم علىّ حقّا ، وأنا أريد أن أوصيكم ، فآمركم بخصال ، وأنها كم عن خصال ، عليكم بالآنات ، فإن بها تدرك الحاجة ، وتنال الفرصة ، وتسويد من لا تعابون بتسويده ، وعليكم بالوفاء ، فإن به يعيش الناس ، وبإعطاء من تريدون إعطاءه قبل المسألة ، ومنع من تريدون منعه قبل الإلحاح ، وإجارة الجار على الدهر ، وتنفيس المنازل عن بيوت اليتامى ، وخلط الضيف بالعيال . وأنها كم عن الغدر ، فإنه عار الدهر ، وعن الرّهان ، فإني به ثكلت مالكا أخي وعن البغى ، فإنه قتل زهيرا أبى « 1 » ، وعن الإعطاء في الفضول ، فتعجزوا عن الحقوق ، وعن السّرف في الدماء ، فإن يوم الهباءة « 2 » ألزمنى العار ، ومنع الحرم إلا من الأكفاء ،
--> - الميدان ، وفي طرف الغاية شعاب كثيرة ، فأكمن حمل بن بدر في تلك الشعاب فتيانا على طريق الفرسين ، وأمرهم إن جاء داحس سابقا أن يردوا وجهه عن الغاية ، فأرسلوهما فأحضرا ، فلما شارف داحس الغاية ودنا من الفتية ، وثبوا في وجهه فردوه عنها ؛ وعلم قيس بذلك ؛ وبعث حذيفة بن بدر ابنه مالكا إلى قيس يطلب منه حق السبق ؛ فقال قيس كلا لأمطلنك به ، فتناول ابن حذيفة من عرض قيس وشتمه وأغلظ له ؛ وكان إلى جنب قيس رمح فطعنه به فدق صلبه ، واجتمع الحيان وأدوا دية المقتول ، وأخذها حذيفة دفعا للشر ، ثم إن قومه ندموه فعاد الشر بينهم ، وقامت الفتن بين الحيين ، وعدا حذيفة على مالك بن زهير أخي قيس فقتله ؛ وكان الربيع بن زياد عمهما معتزل الحرب ، فلما سمع بمقتل ابن أخيه مالك شق ذلك عليه وقاتل بنى ذبيان ، ثم توالت أيام الحروب بينهم ، وكان أعظمها يوم الهباءة حتى أصلح بينهم الحرث بن عوف وهرم بن سنان المريان ؛ وحملا ديات القتلى ثلاثة آلاف بعير . ( 1 ) وسبب مقتل زهير بن جذيمة العبسي أبى قيس ، أن هوازن بن منصور كانت تؤتى الإتاوة زهير ابن جذيمة - ولم تكثر عامر بن صعصعة بعد - فأتت عجوز من هوازن إلى زهير بسمن في نحى ( النحى كحمل الزق ، أو ما كان للسمن خاصة ) فاعتذرت إليه ؛ وشكت السنين اللواتي تتابعن على الناس « فذاقه فلم يرض طعمه ، فدعها أي دفعها بقوس في يده فسقطت فبدت عورتها ، فغضبت من ذلك هوازن وحقدته إلى ما كان في صدرها من الغيظ ، وكانت يومئذ قد كثرت بنو عامر بن صعصعة فثاروا إليه فقاتلوه حتى قتلوه . ( 2 ) وكان حذيفة بن بدر وأخوه نزلا مع أصحابهما في جفر الهباءة ، فاتبعهم قيس ومن معه حتى أدركهم فيه ، وقد أرسلوا خيولهم ونزعوا سلاحهم ( وكان حذيفة قد أخذ غلامين من بنى عبس ، فقتلهما وهما يستغيثان يا أبتاه حتى ماتا ) فشد قيس والربيع ومن معهما عليهم ، وهم ينادون لبيكم لبيكم ، يعنى أنهم -